الشنقيطي
68
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 121 ) [ البقرة : 121 ] والعبرة في هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . قوله تعالى : لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [ 27 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا مبدل لكلماته ؛ أي لأن أخبارها صدق : وأحكامها عدل ، فلا يقدر أحد أن يبدل صدقها كذبا . ولا أن يبدل عدلا جورا : وهذا الذي ذكره هنا جاء مبينا في مواضع أخر ، كقوله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) [ الأنعام : 115 ] . فقوله : « صدقا » يعني في الإخبار . وقوله « عدلا » أي في الأحكام . وكقوله : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) [ الأنعام : 34 ] . وقد بين تعالى في مواضع أخر ، أنه هو يبدل ما شاء من الآيات مكان ما شاء منها ؛ كقوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ [ النحل : 101 ] الآية . وقوله : * ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [ البقرة : 106 ] الآية ، وقوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي [ يونس : 15 ] الآية . قوله تعالى : وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 27 ) [ 27 ] . أصل الملتحد : مكان الالتحاد وهو الافتعال : من اللحد بمعنى الميل ، ومنه اللحد في القبر ، لأنه ميل في الحفر ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا [ فصلت : 40 ] ، وقوله : وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [ الأعراف : 180 ] ، الآية فمعنى اللحد والإلحاد في ذلك : الميل عن الحق . والملحد المائن عن دين الحق . وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إن زاد ماضيه على ثلاثة أحرف فمصدره الميمي واسم مكانه واسم زمانه كلها بصيغة اسم المفعول كما هنا . فالملتحد بصيغة اسم المفعول ، والمراد به مكان الالتحاد ، أي المكان الذي يميل فيه إلى ملجإ أو منجي ينجيه مما يريد اللّه أن يفعله به . وهذا الذي ذكره هنا من أن نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يجد من دونه ملتحدا ؛ أي مكانا يميل إليه ويلجأ إليه إن لم يبلغ رسالة ربه ويطعه - جاء مبينا في مواضع أخر ؛ كقوله : قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 ) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ [ الجن : 21 - 23 ] ، وقوله : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) [ الحاقة : 44 - 47 ] الآية . وكونه ليس له ملتحد ، أي مكان يلجأ إليه تكرر نظيره في القرآن بعبارات مختلفة ؛